كيف أصبح اللون الوردي رمزًا للأنوثة؟
حين تصبح الألوان قصصًا ترويها المجتمعات
لنبدأ أوّلًا برمي قنبلة تاريخية في وجوهكم، أعزّائي القرّاء وعزيزاتي القارئات.
هل كنتم تعرفون أن اللون الأزرق، نعم الأزرق الذي تراه اليوم يرفرف على قمصان الأولاد وألعابهم ، كان في يومٍ من الأيام رمزًا خالصًا للأنوثة؟ قد ترفعون حاجب الدهشة الآن، لكن مهلاً… القصة أعمق وأغرب مما تتخيّلون.
في بدايات القرن العشرين، ووسط أهوال الحربين العالميتين، تغيّر شكل العالم، وتغيّرت الألوان معه. كان الرجال في ساحات المعارك، والنساء في ساحات المصانع. آلاف العاملات ارتدين الزي الأزرق، ليس لأنه "موضة الموسم"، بل لأنه اللون العملي الذي يتحمّل بقع الزيت ورائحة الحديد. كان الأزرق وقتها لون الجدية، لون الأكتاف القوية التي تحمل المجتمع، لون الأيادي التي تبني السفن وتُصلح الطائرات.
بل أكثر من ذلك… الأزرق كان يُرى كلون مهدّئ ووقور، يحمل طابعًا "أموميًا" في الثقافة الغربية. حتى في لوحات القرون الوسطى، كانت السيدة العذراء مريم تُرسم في ثياب زرقاء سماوية، رمزًا للطهارة والرعاية والرحمة — وكلها صفات أُلحقت بالنساء.
لكن، كما هي عادة المجتمع، لا شيء يبقى على حاله. بعد الحرب، عاد الرجال، وعادت معهم فكرة إعادة تقسيم الأدوار… وحتى الألوان! بدأ الأزرق ينسحب ببطء من خزانة النساء ليتربّع على عرش "الذكورة"، وبدأت شركات الملابس تبحث عن لون جديد لتسويق الفساتين والألعاب للفتيات. وهنا… بدأ الوردي يزحف إلى المشهد، ومعه أسطورة أن البنات يولدن بـ"جينات" تحب هذا اللون.
لكن الوردي لم يدخل الساحة بهدوء… لا، لقد جاء مثل ضيف مدعوم بحملة علاقات عامة ضخمة، قادتها الأزياء، والإعلانات، وحتى السياسة.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الشركات تبحث عن طريقة لإعادة تحريك عجلة الاستهلاك. الرجال عادوا من ساحات القتال، النساء أُجبرن على العودة من المصانع إلى البيوت، والمجتمع كان في حالة إعادة ترتيب أدواره.
هنا دخلت استراتيجية الألوان إلى اللعبة: بما أن الأزرق صار مشغولًا بصورة الجندي والبحّار والمهندس، كان لا بد من إيجاد لون “أنثوي” جديد للفتيات، لون يوحي بالنعومة، البراءة، والرومانسية، ويُغري المستهلكين بشراء المزيد من الفساتين والألعاب والاكسسوارات.
وقع الاختيار على الوردي، ليس لأنه اللون المفضل عند الفتيات بالفطرة “ كما سيحاول البعض إقناعك “ بل لأنه لون يسهل ربطه بالدعاية العاطفية.
وهنا، برزت شخصيات عامة ساعدت في ترسيخ هذا الارتباط.
ماميي آيزنهاور، السيدة الأمريكية الأولى في الخمسينيات، كانت أشبه بسفيرة غير رسمية للون الوردي. في حفلاتها الرسمية، كانت ترتدي فساتين وردية أنيقة، مرصّعة بأحجار براقة، حتى صارت صورها تُطبع في المجلات وتنتشر حول العالم. ليس هذا فقط، بل إنها أدخلت الوردي حتى في تفاصيل البيت الأبيض، من مفارش المائدة إلى الستائر، ما جعل اللون يبدو وكأنه “التوقيع الرسمي” للأنوثة الراقية.
الصحف والمجلات التقطت هذه التفاصيل بسرعة، وبدأت تصف البيت الأبيض في تلك الفترة بـ"البيت الوردي"، بينما أصبحت ماميي تُعرف في الأوساط الإعلامية بلقب "Mamie Pink"، وكأن اللون صار امتدادًا لشخصيتها وهويتها العامة. لم يكن الأمر مجرد ذوق شخصي، بل كان أيضًا رسالة بصرية قوية: المرأة الأنيقة، حتى وهي في أعلى منصب بروتوكولي في البلاد، تستطيع أن تحتفظ بـ"لمستها الأنثوية" وتفرضها على أجواء الحكم والسياسة.
هذا الهوس بالوردي وصل إلى درجة أن بيوت أمريكية كثيرة، خاصة في الضواحي، بدأت تقلد أسلوب ماميي في تزيين منازلها، حتى صار اللون الوردي في الخمسينيات رمزًا للبيت المثالي، الزوجة الأنيقة، والحياة المترفة، وهي الصورة التي كانت الإعلانات تحرص على ترسيخها يوميًا.
وفي هوليوود، لم تكن الأمور مختلفة. جاءت مارلين مونرو لتجعل الوردي رمزًا للإغراء الممزوج بالدلال، خاصة في فيلمها الشهير Gentlemen Prefer Blondes. مشهدها وهي تغني “Diamonds Are a Girl’s Best Friend” وسط خلفية وردية صارخة وبفستان وردي أسطوري لم يكن مجرد لحظة سينمائية، بل كان إعلانًا غير مباشر بأن “المرأة الحقيقية… ترتدي الوردي”. الصور انتشرت في كل مكان، على المجلات، والملصقات، وحتى على أغلفة ألبومات الموسيقى، لتغرس في الوعي الجماعي أن الوردي هو جواز المرور لعالم الأنوثة.الإعلانات في تلك الفترة لم تكن مجرد صور جميلة في مجلات، بل كانت آلة ضخمة تعيد تشكيل أذواق الناس وألوان حياتهم.
ولا ننسى ايضا ان صفحات كاملة في مجلات الموضة كانت تتزين بفساتين وردية من الحرير والشيفون، تحمل أسماء أنيقة وعناوين شاعرية، وكأن ارتداء الوردي هو المفتاح السري لدخول عالم الرفاهية. صور الفتيات الصغيرات في الإعلانات كنّ أشبه بعرائس خزفية مبتسمات، بجدائل مرتبة وفساتين منفوخة، وأحيانًا مع دمية باربي، التي لم تُخلق إلا لتكون مرسولة وردية في عالم الطفولة.
الأمر لم يقف عند الملابس والألعاب؛ حتى المطبخ، تلك المملكة التي أراد المجتمع حصر النساء فيها، غُمر بالوردي: خلاطات كهربائية، محامص خبز، غلايات شاي… كلها بنسخ “نسائية” باللون الوردي الباستيل، وكأن المطبخ لم يعد مكانًا للطهي، بل عرض أزياء للأدوات المنزلية.
حتى السيارات لم تسلم، فبدأت بعض الشركات تُطلق إصدارات محدودة باللون الوردي موجهة "للسائقات الأنيقات"، في إشارة ضمنية أن الأنوثة يمكن أن تُقاس بدرجة لون الطلاء الذي تختاره المرأة لسيارتها.
وفي كل إعلان، كان الوردي أكثر من مجرد لون؛ كان حكاية مكتوبة بين السطور.
حكاية تقول: هذه الفتاة سعيدة لأنها وردية، مدللة لأن غرفتها وردية، أنيقة لأن حقيبتها وردية. لم يكن الأمر اختيارًا حرًا بقدر ما كان إعادة برمجة بصرية وعاطفية، تغلفها الشركات بالابتسامات البراقة والإضاءة المثالية، حتى يصير بيعها أسهل وتصديقها أسرع.
وبفضل هذا التحالف غير المعلن بين السياسة الناعمة التي جسدتها شخصيات مثل ماميي آيزنهاور، والسينما الساحرة التي مثلتها مارلين مونرو، والإعلانات الذكية التي تسللت إلى كل بيت، تحوّل الوردي من مجرد لون في قوس قزح، إلى أيقونة ثقافية تلاحق الفتيات منذ لحظة ولادتهن.
كأنه يهمس في آذانهن “بلا كلمات” : هذا لونك… وهذه هويتك… وهذا دورك.
لون صار مثل الختم على جواز أنوثتهن، لا يختفين من تحته إلا إذا قررن التمرد على القاعدة.
ورغم كل هذا التاريخ الملتوي الذي حوّل الوردي من لون عابر إلى بطاقة هوية اجتماعية للفتيات، يبقى الأمر بالنسبة لي شخصيًا مختلفًا قليلًا.
أنا واحدة من أكبر المعجبات بالوردي… أرتديه معظم الوقت، وأحمله في حقيبتي، وفي غرفتي، وحتى في اختياراتي الصغيرة. ربما لهذا السبب بدأت أبحث في قصته: لماذا أصبح لونًا "للإناث"؟ من الذي قرر ذلك؟
وكلما غصت أكثر في الحكاية، اكتشفت أن حبي للوردي لم يكن لأن المجتمع قال إنه لي، بل لأنه ببساطة لون يسعدني ويشبهني. وأعتقد أن حتى لو لم يكن يومًا مرتبطًا بالفتيات، كنت سأحبه من جديد، وبالقدر نفسه.
فالوردي بالنسبة لي ليس قيدًا… بل مساحة حرّة ألون بها حياتي كما أشاء.
وأنت، ماذا تعني لكِ أو لكَ كلمة "الوردي"؟ هل هو لون محبب أم مجرد لون فرضته عليك الثقافة؟






الله ما شاء الله عليك ! اسلوب راقي وجميل.
انا ايضا من محبين الوردي بعيدا عن الموضة بالنسبة لي الوردي هو مرحلة انتقال في حياتي . يعبر عني عن ذاتي وعن فترة مهمة من حياتي .
شكرا لمشاركتك كل هذه المعلومات استمري
👏👏👏🩷💙🩷💕💞💓💗 معلومات يجهلها الكثير . لأن بدون أسئلة لن تتجدد المعرفة. ولو كانت في نظرنا أسئلة غبية ستفاجؤ بما ستصل إليه من حقائق. براڤو