ريتا : ذكرى لا تغيب من ذاكرة محمود درويش
بين خيبات الحب وقسوة الواقع، ينبض الشعر
“بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا
ينحني
ويصلي
لإلهٍ في العيون العسلية…”
ليست هذه الكلمات مجرد سطر شعري عابر من قصائد محمود درويش، بل مفتاح لجرحٍ لم يندمل، ورمز لحكاية أكبر من الحب وأعمق من الطفولة.
اسم "ريتا" الذي يتكرر في معظم دواوينه، ليس اسمًا عاديًا، ولا ذكرى مراهقة عاطفية كما قد يظن البعض.
ريتا هي الرمز، رمز الألم، الفقد، الخيانة، والقدر المستحيل.
هي التجسيد الحي لروحٍ فلسطينية عشقت ما لا يُعشق، وسُلبت كما سُلب الوطن.
بين ريتا ودرويش، كان القلب بندقية، والهوية ممزقة بين الحب والانتماء، بين العيون العسلية ودماء القضية.
ريتا لم تكن خيالًا شعريًا، ولا صورة من ابتكار المخيلة الثائرة.
ريتا كانت حقيقية.
فتاة يهودية أحبّها محمود درويش في شبابه، حين كان لا يزال يعيش في حيفا قبل أن تُسحق الجغرافيا بين الوطن والمنفى.
كانت العلاقة بينهما عاصفة.
جمعت بين فلسطينيٍ شاعرٍ يحلم بالحرية، وفتاة إسرائيلية تلبس بزة الجندية لاحقًا، وتتحوّل دون وعيٍ منها إلى تمثيل صارخ للواقع الذي فرّق بينهما.
هو المُهجّر في وطنه، وهي رمز الاحتلال الذي يرتدي قناع الحب.
في إحدى مقابلاته النادرة، قال درويش ما معناه:
"كنت أحبها، لكن في الليل كانت تذهب إلى الخدمة العسكرية... كنت أنام وأنا أعلم أنها على الطرف الآخر من البندقية."
وهنا تتضح رمزية السطر الشهير:
"بين ريتا وعيوني بندقية."
فلم تكن البندقية هنا استعارة عن الغيرة أو الفراق، بل عن الواقع السياسي نفسه،
عن الاحتلال الذي اخترق حتى أكثر العلاقات الإنسانية خصوصية: الحب.
الاحتلال لم يسرق من الفلسطينيين أرضهم فحسب،
بل تعدّى ذلك إلى أعمق منازل الروح:
إلى القدرة على الإحساس، على الحلم، على الحب.
لم يكتفِ بمنعهم من أن يعيشوا بكرامة كأي إنسان عادي،
بل تسرّب إلى أعماق مشاعرهم، حتى بات يمنع القلب من أن يحب بحرية.
لم يكتب محمود درويش عن ريتا كما يكتب العشّاق عن معشوقاتهم،
بل كتبها كمن يحاول أن يفهم كيف يتحوّل الحب إلى جريمة.
في البداية، كانت ريتا فتاةً أحبّها.
جسد، وابتسامة، وقهوة في الصباح.
لكن مع الزمن، ومع انكشاف الحدود التي لا تُرى،
تحوّلت من معشوقةٍ إلى مرآةٍ تعكس حجم الفقد، وعمق الخيانة.
الخيانة هنا لم تكن خيانة جسد،
بل خيانة وطن، خيانة حلم، خيانة ذاكرة.
ريتا التحمت في ذاكرة درويش مع فلسطين المسلوبة.
جميلة، قريبة، مغرية، ولكن محرّمة.
مستحيلة، مسروقة، ممنوعة عن اللمس والعناق.
ريتا لم تكن فقط مرآة لمرارة فقدان الحبيبة،
بل كانت صورة مُضاعفة لمرارة أعمق:
مرارة اغتصاب الوطن،
وانتهاك الحق في الحلم،
في الهوية.
لم تعد امرأة، بل استعارة مكسوّة بالحنين والخذلان،
تحمل ملامح الحبيبة، وتُخفي داخلها عيونَ الجندي الذي يقف على الحاجز،
وصوت الإنذار في الحيّ،
وضوء المستوطنة على التل.
وهكذا، انقلبت "ريتا" في شعر درويش من ملامح أنثى إلى ملامح وطن،
من قصيدة حبٍ شخصي إلى مرآة لخسارات جماعية.
لم تعد الحبيبة التي غادرت، بل الذاكرة التي طُعنت،
ولم تعد قصة قلب، بل ألم أمة بأكملها، مكسوٌّ بصورة امرأة.
كتبها كي لا ينساها،
وكي لا ننسى نحن أيضًا أن الحب تحت الاحتلال لا يبقى حبًا،
بل يتحوّل إلى اختبارٍ للهوية،
وأن المشاعر التي تولد في الظلّ،
لا تنمو، بل تتآكل.
تحوّلت ريتا إلى استعارة عميقة للفقد،
إلى كناية عن وطنٍ يمكن رؤيته من بعيد،
لكن لا يمكن الاقتراب منه دون أن نُفقد شيئًا من أنفسنا.
لهذا، لم تكن ريتا فقط ذكرى،
بل صدى دائم لما يعنيه أن تحب ما لا يمكنك امتلاكه،
وأن تُحاصر حتى في أصدق ما فيك: قلبك.
"أُحبُّكِ.. لكنْ بيننا رصاصةٌ.." محمود درويش في ديوان "عاشق من فلسطين"



حتّى أنا لا أغفر لمحمود هذا الحب فكيف ستفعل فلسطين؟
مع علمي التام بأنه ليس على الهوى سلطان لكن كيف كيف استطاع محمود أن يسمح لريتا باحتلال قلبه كما إاحتل شعبها وطنه؟ كيف وهي مجندة تطلق الرصاص على الفلسطنيون الذي هو واحد منهم؟ أيجتمع حب فلسطين وريتا في قلب واحد،في آن واحد؟